أحدث الأخبارأعمدة الرأياقتصادعـــاجل

مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2021.. مواجهة للأزمة أم “تأقلم” معها؟

شهاب برس- راجعت الحكومة من خلال المشروع التمهيدي لقانون المالية التكميلي تقديرات عجز الميزانية للسنة الجارية، فبعد أن كانت التوقعات ضمن قانون المالية الأولي أن يكون عجز الميزانية في حدود 3410 مليار دينار، أعادت الحكومة تقديراتها و سجلت ارتفاعا جديدا في المصاريف، و قد لجأت الحكومة مثلما كان منتظرا حسب المؤشرات العامة الى  قانون مالية تكميلي بهدف تغطية عجز ميزانية الدولة .
 
توقعات بارتفاع ميزانيتي التسيير و التجهيز
 
يتوقع مشروع قانون المالية التكميلي إرتفاعا لميزانيتي التسيير و التجهيز ، حيث تبلغ الزيادة الزيادة في ميزانية التسيير 350 مليار دينار و فيما ينتظر إرتفاع ميزانية التجهيز بنحو 179 مليار دينار جزائري .
 
و يتوقع أن تضم الزيادة في ميزانية التسيير تغطية التعويضات الخاصة بعمال الصحة و الداخلية بقيمة نحو 35 مليار دينار وتغطية عمليات إقتناء لقاحات ضد كوفيد 19 بنحو قيمة 8 مليارات دينار ، إضافة الى دفع مؤخرات عمال التربية بنحو 50 مليار دينار، كما يتوقع تخصيص موارد إضافية لدعم مواد أساسية منها مسحوق الحليب نتيجة إرتفاع أسعاره في السوق الدولية لفائدة ديوان الحليب ، و تغطية تنظيم الإنتخابات التشريعية و الإنتخابات المحلية و تسديد قيمة المساعدات المقدمة لفائدة المؤمنين لدى صندوق الضمان الإجتماعي لإجراء تشخيصات فيروس كوفيد 19 ، في المقابل تحمل ميزانية التجهيز إعتمادات إضافية موجهة لصالح مشاريع البنى التحتية لفائدة مناطق الظل خاصة الطرق و السكك الحديدية لتعزيز التنمية هناك .
 
و عند إضافة الزيادة المتوقعة في ميزانية التجهيز 350 مليار دينار و الزيادات المتوقعة في ميزانية التجهيز 179 مليار دينار إلى العجز المتوقع في الميزانية الأولية المقدرة ب 3410 مليار دينار ، و بعملية رياضية بسيطة نجد أن عجز ميزانية الدولة خلال السنة الجارية سيقارب ال 4 آلاف مليار دينار جزائري حسب توقعات الحكومة المدرجة في المشروع التمهيدي لقانون المالية التكميلي 2021.
 
إعتماد 40 دولار سعر مرجعي للنفط
 
اعتمدت الحكومة في إعداد مشروع قانون المالية التكميلي لهذه السنة على تأطير مماثل لقانون المالية الأولي تبنت فيه سعرا مرجعيا للنفط عند 40 دولار و سعر سوق ب 45 دولار مقابل متوسط سعر صرف ب 142.20 دينار للدولار الواحد ، كما توقعت الحكومة تحقيق نسبة نمو بنحو 4.2 بالمائة .
 
وتتوقع الحكومة تجاوز صادرات المحروقات حدود 23.6 مليار دولار مقابل واردات بنحو 30.4 مليار دولار و نموا خارج المحروقات ب 3.1 بالمائة ،حيث من المتوقع أن تسجيل ميزان المدفوعات عجزا ب 3.6 مليار دولار .
 
عجز دوري في الميزانية
 
تسجل ميزانية الدولة عجزا بشكل دوري منذ زمن بعيد الا أن وجود صندوق ضبط الايرادات كان  السبيل لتغطية هذا العجز سابقا ، حيث أنشأت الجزائر ” الصندوق ” لإدخار عائدات النفط سنة 2000 ن وتضم الإيرادات المحسوبة من الفارق بين سعر النفط المرجعي و سعر بيع النفط في السوق .
 
منذ تراجع أسعار البترول منتصف سنة 2014 سعت الحكومات المتتالية الى إيجاد حلول بديلة لصندوق ضبط الإيرادات و تم تفضيل خيار إصدار النقود و طبعها في السنوات الماضية بدل اللجوء الى الإقتراض من الأسواق المالية الدولية لسد عجز ميزانية الدولة ، و يرفض رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون كليا الرجوع الى ” التمويل غير التقليدي ” او ” طبع الأموال ” نظرا لانعكاساته على القدرة الشرائية للمواطن .
 
حاولت الحكومات المتتالية إستقطاب و إحتواء الأموال المتداولة في ” السوق الموازية ” عبر تحفيز أصحابها لإيداعها في البنوك و هو ما كان سيعود بالنفع على الدولة بأخذ ”  نصيب جبائي ” من تلك الأموال إلا أن هذا المسعى فشل ، و يرى الخبراء ان أنجع وسيلة لإستفادة الدولة من الأموال المتداولة في ” السوق السوداء ” هي توسيع “الوعاء الجبائي” عن طريق التوجه الى “تخفيض الضغط الضريبي ” على المؤسسات ، فتزيد مداخيل الدولة من جراء تحول النشاطات من ” السوق السوداء ” الى ” السوق الرسمية ” .
 
بين الدائم و المؤقت.. ” إشكالية ديمومة المؤقت ”
 
مهما كانت الوسيلة التي ستعتمدها الحكومة الجزائرية لتسد العجز المسجل في الميزانية ، سواء ب ” الرجوع الى التمويل غير التقليدي ” ( طباعة الأموال ) أو اللجوء الى الإستدانة الخارجية و لو أن الخيارين أحلاهما مر ، فاللجوء إلى التمويل غير التقليدي سيضعف” أكثر و أكثر ” القدرة الشرائية للمواطن التي هي “ضعيفة أصلا ” أما “الإستدانة الخارجية” فقد تؤدي إلى رهن سيادة الدولة لدى جهات لن “تتوانى ” في الإستفادة من ذلك أشد الإستفادة ” ، أما محاولة إستقطاب الأموال من ” السوق السوداء ” فتبدو بلا مستقبل خاصة في ظل ثقة ” مهزوزة ” بين الدولة و الشعب .
 
 بعيدا عن هذه الحلول ” المؤقتة ” تبرز مشكلة عويصة لأزمة الجزائر من مدة “ليست بالقصيرة” و الجميع يعرف السبب وراء ذلك : ” إنخفاض أسعار البترول و تقلص حجم إنتاج المحروقات ”  في بلد يعاني من ” تبعية مزمنة و مفرطة ” للمحروقات ، إذ تمثل عائدات النفط وفق أفضل التقديرات 93 بالمائة من إيرادات البلاد من “العملة الصعبة” ، وأزمة سنة 2014 بعيدة من أن تكون أول صدمة بترولية تعرفها الجزائر لكن السؤال الذي يطرح : ماهي الإجراءات التي إتخذتها الجزائر منذ وقت طويل للخروج من تبعية المحروقات أو على الأقل تقليلها ؟  الإجابة ليس الكثير، فالجزائر تعاني مما يمكن وصفه “بمتلازمة ديمومة المؤقت” فهي تبقي نفسها دائما محصورة ضمن “فترة زمنية محددة”  يمكن وصفها بال ( Confort Zone ) أو ” منطقة الراحة ” ، فعندما ترتفع أسعار المحروقات تزهو و تتغنى بها كأنها ” ستستمر أبدا ” ! و عندما تحدث  “الصدمة ” تضع ” مخططات إغاثة ” وسط أمنيات و دعوات بارتفاع أسعار البترول “مرة اخرى”.

تمت معاينة ذلك سابقا !
 
قد يظن البعض أن فيروس كورونا هو السبب في تراجع اسعار النفط ، و رغم أنه ساهم في ذلك الا أن ذلك غير صحيح  ف “مسلسل انهيارات” أسعار النفط أو مايعرف ب” الأزمات الدورية للبترول” يعود الى وقت سابق جدا و أزمة 2014 ليست هي الصدمة البترولية الأولى التي تعرفها الجزائر ” فأزمة 1986″ مازالت في الأذهان خاصة مع إقترانها بالأحداث المؤسفة التي لاحقتها بعد ذلك ، حيث ” حينذاك نفذ إحتياطي البلاد من العملة الصعبة و شحت الخزينة العمومية و لم تجد الدولة ما تسد به رمق الجزائريين من الغذاء و الدواء و إخترقت الأزمة الجسد المجتمعي و بدأ التعب الإجتماعي يظهر على الناس خصوصا في المدن الداخلية و تدهورت الأوضاع المعيشية للجزائريين و اختفت المواد الغذائية الأساسية من الأسواق كالخبز و الزيت و القهوة و السكر و نفذ المخزون الإستراتيجي من المواد الحيوية و القمح ……. بقية القصة معروفة  ، و ضربت كمثال فقط على تداعيات إنهيار اسعار المحروقات في بلد ” لم يعرف بعد أو لم يسع بعد جديا لتنويع إقتصاده ” ، حيث أن المسافة بين الصدمة البترولية ( الصدمة الإقتصادية ) و الصدمة الإجتماعية و السياسية و الأمنية ليستا بعيدتين جدا عن بعضهما البعض ، و ربما يكون الفتيل الذي يشعلهما واحدا في بعض الأحيان .
 
” الغوريلا ” و ” الشامبانزي “.. أو لماذا يعاني سوق المحروقات من كل هذه التقلبات ؟
 
قد يطرح البعض سؤالا حول أسباب التقلبات “الدورية” لسوق المحروقات و التي تكون  “أعنف” أحيانا من أحيان أخرى ، و الحقيقة أن مجال النفط و المحروقات هو لعبة يديرها “الكبار ” و في الغالب يبقى ” الصغار ” رهائن لقراراتهم ، و تتقلب أحوال الدول التي تعتمد في مداخيلها على إيرادات المحروقات فقط في هذه اللعبة بين ثراء ” مزيف خادع ” لا يعكس قدراتها ” الإقتصادية الحقيقية ” و ” فقر مدقع ” و ” إنهيارات إقتصادية ، سياسية و أمنية ” . و في محاولة شرح هذه المعضلة  لم أجد أفضل من مقولة لرئيس تحرير صحيفة إنرجي تريبيون -هيوستن- تكساس منذ عدة سنوات عندما استشهد بمقولة ” أمريكية ” لدى مشاركته في إعداد الحلقة الرابعة من السلسلة الوثائقية : سر الأخوات السبع “وقت الأكاذيب” الذي يتكلم عن أكبر 7 شركات “أخوات” تحتكر مجال المحروقات حيث قال : ” عند سعر 100 دولار لبرميل النفط فإن بوتين و تشافيز –يقصد كل الدول التي لها تبعية كبيرة للمحروقات- يبدوان كأنهما “غوريلا” ضخمة و لكن عند سعر  40  دولار للبرميل يتقلصان إلى حجم “قرد” شامبانزي ، و هما سيفعلان كل ما بوسعهما لرفع سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل ، لذلك فإذا كنا نريد تحويلهما الى قرد شامبانزي فهذا يستدعي تشجيع السعودية على إنتاج مزيد من النفط ما سيحدث إنهيار في أسعاره حتى مستوى 20 دولار للبرميل و يخلق مشكلة كبرى للدول المنتجة للنفط التي تبدو “أحيانا” أقوى بكثير من” حجمها الحقيقي” .
 
فلسفة “رد الفعل”  !
 
حسب أدبيات ” إدارة الأزمات و المخاطر ” توجد طريقتان للتعامل مع الأزمة ” منهج رد الفعل ” و ” المنهج الإستباقي المبادر ” و يقع هذين المنهجين على النقيض تماما حيث يهمل منهج رد الفعل ” الأعراض الأولية للأزمة ” ما يجعله يصطدم لاحقا ” بالأمر الواقع ” أزمة شديدة ، آثار منتشرة إستجابة و تخطيط أثناء الأزمة ( لخبطة ، عدم إستباق الإجراءات ، السير في اتجاهات مختلفة ، استنزاف الموارد ) ، و حتى لو تم التمكن من إحتواء الأزمة او انتهت الأزمة بعد انتهاء دورة حياتها فستكون الفاتورة غالية و سيتعين التعايش مع آثار الأزمة لسنوات و سيبقى النمط يتكرر و يتكرر و لن يتم إستخلاص أية دروس للمستقبل لأن هذه العقلية ” مرحلية” و لا تستطيع رؤية ” الصورة الكلية ” . و هذا يبدو إلى حد كبير” المنهج الجزائري في التعامل مع الأزمات” .
 
و على النقيض يهتم “المنهج الإستباقي المبادر ” بالتعلم و تحليل تراكم المعلومات من الأزمات السابقة و إستشعار الأعراض الأولية للأزمة القادمة و التعامل معها بحزم عن طريق إيجاد حلول بديلة و تفادي وقوع الأزمة أو على الأقل ” إحكام السيطرة على الأزمة ” كليا او جزئيا ” ، التعلم الدائم ، التخطيط المسبق ، بناء منظومة متناسقة للتعامل مع الأزمات يخفف من فاتورة الأزمة و من آثارها المحتملة .
 
ماذا عن زيادة الضرائب ؟.. طوق نجاة “قد” يؤدي الى الإختناق
 
تحدثنا من قبل عن إشكالية الدائم و المؤقت و ” معضلة ديمومة المؤقت ” و تكلمنا عن ” المنظور المرحلي ” الذي تعيش به بعض الحكومات ، المشكلة في زيادة الضرائب لا تظهر في الوهلة الأولى و لكن المعضلة تتمثل في أن إستمرار نقص إيرادات الدولة سيتبعه أوتوماتيكيا زيادة نفقاتها و في ظل غياب البديل و غياب ” المنهج الإستباقي المبادر ” في إدارة الأزمة تعلق الدولة في ” مرحلة زمنية ضيقة جدا ” ، و تتجه الى زيادة الضرائب حسب المقولة الأمريكية ( Someone has to pay ) ” على أحد ما أن يدفع ” الفرق “! الذي لا ينفك يتوسع بين الإيرادات و المصاريف ، تنغلق الدولة على نفسها أو ربما تتوجه الى الإستدانة الخارجية و لسداد ديونها يجب عليها أن تحصل ضرائب أكثر أو تستدين أكثر.. ” حرب استنزاف داخية ” ، و أمام تصاعد الغضب و الإحتقان  الشعبي و الضغوطات الخارجية “.. لا يوجد وضع أفضل من هذا لإنهيار الدول و زوالها ” ، و لنتذكر أن كل ذلك بدء ب 3 جمل قصيرة : ” ديمومة المؤقت “، “نظرة مرحلية” يمكن أن تعلق بها الدولة و ” غياب منهج إستباقي مبادر ” لمواجهة الأزمة يرى الأمور بصورة كلية و يتحرك مرحليا وفقها ” بخطوات مدروسة ” .
 
ماذا لدى إبن خلدون ليقوله لنا حول العلاقة بين الرفع المستمر للضرائب و انهيار الدولة ؟.. الرئيس الأمريكي “ريغان” يجيب!
 
طبق الرئيس الأمريكي رونالد ريغان خلال فترة حكمه سياسة جبائية سميت انذاك “ريغانوميكس” تعتمد على تخفيض الضرائب لتحفيز النمو الإقتصادي مع الحد من التضخم و رفع القيود الإقتصادية ، يقول ريغان أنه إستلهم تلك السياسة من العلامة المسلم عبد الرحمان إبن خلدون و يعبر عن ذلك بكلامه قائلا : ” لقد درست علم الإقتصاد في الجتمعة عندما كنت صغيرا ، و تعلمت فيها عن رجل يدعى “إبن خلدون” عاش قبل 1200 سنة في مصر ، وقبل 1200 سنة قال : ” في بداية الإمبراطورية ( الدولة ) معدل الضرائب يكون منخفضا لكن العوائد تكون كبيرة ، و في نهاية الإمبرطوريات ( الدول ) و سقوطها ( عندما تكون تحتضر ) الضرائب تكون مرتفعة و العوائد قليلة “.

 بقلم : أسامة براهيمي
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: